
كنت مسافرًا بالقطار من بلدتي متجهًا إلى القاهرة لأحضر محاضراتي في الجامعة، وكانت المحاضرات متأخرة عند منتصف النهار، فركبت قطار العاشرة صباحًا مستقلاً الدرجة الثانية العادية بإشتراك الطلبة الَّذي أملكه، وكالعادة كان القطار ممتلئًا ولا توجد أماكن للجلوس وهذا يعني السفر واقفًا لمدة قد تزيد عن الساعتين والنصف.
وكان كالعادة لا بد من مقابلة بعض الأشخاص الَّذين أعرفهم أو تعرفت عليهم من خلال السفر اليومي عبر القطار، فظهر لي ”ايمن“ كنت قد تعرفت عليه عن طريق أحد الأصدقاء ولم تجمعني معه أي سابق صداقة غير الإسم، وتحاورنا وعلمت أنه يدرس في كلية التجارة بمدينة ”بنها“، وأنه متجه اليها الآن.
وكان ”ايمن“ متأخرًا في دراسته ويكبرني بعدة اعوام، وكان يدخن السجائر بشرهة وكنت لا أدخن، وكنت أعلم عنه انحرافات فترة المراهقة من شرب السجائر والجلوس على المقاهي للعب الطاولة والدمينو وتدخين الشيشة.
كان ”ايمن“ يسترسل في الحديث بدون ملل حتى قلل القطار من سرعته ليقف في محطة ”طنطا“، وكنا نقف بجوار باب القطار وهو مفتوح كعادة قطارات الدرجة الثانية، وفجأة ظهرت علامات الإهتمام على وجه ”ايمن“...
ايمن تعالى بسرعة العربية التانية شكلها كدا (المُوزَّة) اللي كانت عالرصيف ركبت فيه..
* (مُوزِّة) ايه ياعم اللي انت بتتكلم عنها ياعم كبر دماغك.
ايمن ياعم دي شاكلها جامده موت.. والقطر مليان (عوق) كتير وسهل انحنا نشدوها من بينهم..
* يووه .. يا عم احلق..
ايمن تعالى بس...
وجذبني متجهًا نحو العربة الثانية وكانت مكتظة بالناس ولم تكن موجودة بها تلك (المُوزَّة)..، وأخذ يقاتل للعبور بين الناس حتى يصل الى العربه التالية، ودخلنا العربة التالية وقف ”ايمن“ مشدوهًا ولكزني في يدي مشيرًا لها، واتجهت بنظري نحوها وكانت تنظر إلي، لقد كانت ”مياسة“.
كانت تغيرت كثيرًا، قصة الشعر اختلفت فقد كانت ذات شعر بني داكن طويل وهو الآن أصفر قصير(كاريه).
وكانت تعتاد لبس الجونلات ولكنها الآن تلبس (جينز) ضيق من عند الأرداف واسع قليلاً من أسفل، و(بدي) ضيق يكاد يندمج مع جسدها فلا يستر شيئًا من تضاريس جسدها، وتعتقد لأول وهله أن صدرها يكاد يختنق لعدم قدرته على الأستغاثة لينجوا من هذا الضغط لينفجر خارجًا من بين طياته.
اتجهت نحوها وتحركت نحوي وهي لا ترفع عينيها عني تحدثني عينها بحديث صامت كأنها التاعت لرؤيتي لها في هذا القطار.
فكانت ”مياسة“ من النوع الَّذي يهوى المظاهر، فلم تكن تحب أن أراها في قطار عام من الدرجة الثانية العادية، وانما كانت تفضل أن تكون من ركاب الدرجة الأولى المكيفة أو الثانية المكيفة على أقل حال..
* ازيك؟! .. عاملة ايه؟
مياسة كويسه!!
* تعالي معانا.. نروحو.. العربية التانية ..أصلها فاضية شوية..
وكانت تلك العربة تكاد تخلو من الهواء من كثرة البشر فيها المتلاصقون والمتواجدون في كل حيز من العربة على المقاعد وفوق أرفف الأمتعة وخلف الأبواب وحتى في دورات المياه التي لم تنظف من عشرات السنين.
وسارت خلفي صامته و”ايمن“ يعلوه الصمت أيضًا مشدوهًا لا يكاد يصدق نفسه من أنه يسير بجوارها.
وصلنا إلى العربة الشبه هادئة التي كنا نقف بها وتنحينا بها جانبا خلف باب القطار بعيدًا عن أقدام الركاب المارة حتى لا تطئنا، وبدت على ”مياسة“ علامات الإندهاش وعدم التصديق، وكأنها كانت تعتقد أنني آخذها لنجلسها في مقاعد لنا في تلك العربة.
* ايه الأخبار؟ عامله ايه؟
مياسة الحمد لله!
* هنا أحسن من العربية التانية اللي كنتي فيها.. أهدى شوية.. مش كدا؟
مياسة أ.. أه.. يعني شوية.
(ثم قالت بصوت هادئ كسير تحاول أن ترفع من كرامتها المجروحة)
أصلي اضطريت أركب القطر دا عشان ألحق المحاضرات بتاعتي... أصل مافيش غيره دي الوقت... وكمان (بابي) عاملي فيه إشتراك كدا احتياطي للزنقات يعني... عشان أحيانًا مواعيدي ما بتتوافقش مع القُطُّرًّه المكيفة وأحيانًا ما بالاقيش حجز فاضي.. أصل (بابي) عاملي إشتراك في القطر المكيف وفي دا .. وكمان عاملي إشتراك في الأوتوبيس المكيف .. (محاولة نفي تهمة البساطة في الحياة عنها مستجدية التعال والغنى)
* (هززت رأسي معلنًا تفهمي لها) .. أيوه أيوه فاهم .. (بلا مبالاة) .. ياستي مش فارقة ... كبري دماغك ... أهي توصيلة والسلام.
ايمن بس برضه ... (محاولاً التدخل في الحديث وكنت لم أُعَرِف أي من هما للآخر متعمدًا) ... يعني حاولي ماتركبيهوش كتير لوحدك (محاولاً التودد بصنع من نفسه ملاكًا) عشان ما تتعرضيش لأي معاكسه كدا ولا كدا من الركاب..
مياسة أيوه أيوه .. (بصوت منخفض بدون النظر إليه معلنة عدم رغبتها في الحديث معه).. فاهمه.وكان القطار يُهَدِّئ من سرعته لدخوله محطة قطار ”بنها“، وودعت ”ايمن“ ولم أره من يومها مرة أخرى بعد ذلك، وقضيت الوقت - أنا و”مياسة“- في الحديث عن الدِراسَة والمحاضرات وأخبار الفتيان والفتيات من زملاء الدِراسَة، وكان القطار يسير الهوينى كما لو كان لا يريد الوصول، وكان يزداد إزدحامًا عند الوقوف عند كل محطة، وكان بجوارنا عند باب القطار المغلق المقابل لنا عائلة صعيدية تفترش الأرض وتضع حولها متاع السفر وتبدوا عليهم علامات الفقر، وكانت العائلة تتكون من أب يجاوز الخمسين من العمر وبجواره زوجته تتدثر بالسواد، وحولهما أطفالهما يتقافزون ويلعبون.
أخرجت المرأة كيسًا من بين متاعها وفتحته وافترشته على الأرض، وكان به بلح أحمر، وكانت ”مياسة“ تنظر إليهم بنوع من الرقة والشفقة، وبينما ننظر إليهم أثناء حديثنا، كانت السيدة تمسح البلح بورق الجرائد قبل أن تأكله أو تعطيه لأبنائها بنوع من العفوية، ونظرت المرأة لأعلى باتجاه ”مياسة“ ومدت لها يدها بالبلح تعطيها ”لمياسة“..
مياسة لا .. لا .. (برقة) ميرسي .. شكرًا..
وأصرت السيدة مادة يدها بالبلح ”لمياسة“ ..
السيدة خذي .. خذي .. والله لا تاخديها...
مياسة ميرسي ياحجة ... والله مش حاقدر ... بالهنا والشفا..
فظهرت على السيدة علامات الإحباط فمدت يدها نحوي تعطيني ما في يديها، فأشرت لها في صمت بالشكر وعدم الرغبة، فأومأت برأسها متفهمة ومدت يدها إلى فمها لتأكل البلح، واستدرت أنا و”مياسة“ لنعطيهم ظهرنا، وهمست ”مياسة“ في أذني مبتسمة...
مياسة انت واخد بالك... دي مسحت البلح بالجرايد!!
* غلابة.. (قلتها بتنهيدة بسيطة علامة على الأسف)
فأومأت ”مياسة“ برأسها علامة على التفهم..
كنا نمر بمحطة شبرا الخيمة وبجوارها محطة مترو الأنفاق، وكانت وقتها حديثة العهد، لم تفتح إلا منذ شهرين على الأكثر، وكان يمر بجوارنا قطار المترو ببطء داخل المحطة، فأخذ الأطفال يتصايحون فرحًا وأخذوا يجذبون أباهم من ذقنه ليلتفت نحو الباب ليرى قطار المترو، فتبسم الرجل وهو جالس على الأرض وتمتم قائلاً..
- دا الجطر بتاع الحرامية.. عايركابوه الحرامية اللي معاهم فلوس بس..
فنظرتُ إلى ”مياسة“ مبتسمًا، فوجدتها لم تتمالك نفسها من الضحك وضمت ما كان معها من كشاكيل المحاضرات إلى صدرها ثم نظرت إلى الأرض، مداعبة أرض القطار بأطراف أصابعها حتى تتمالك نفسها ولا يعلو صوتها بالضحك وسط الناس، ثم رفعت رأسها ناظرة إلي..
مياسة (هامسة) الناس دول غلابة قوي..
* أيوه .. الدنيا فيها غلابة كتير..
مياسة بس دول صعبانين عليا قوي..
فنظرت إليها محركًا كتفي علامة عدم التعليق، وكان القطار قدو صل إلى المحطة، فخرجنا من المحطة، وتوجهنا إلى الكلية راكبين (الميني باص) لا نتكلم إلا قليلاً في موضوعات متفرقة بخصوص الدراسة أو عن أحد الزملاء، وعندما وصلنا إلى مبنى الكلية تفرقنا وإتجه كل منا إلى محاضرته..