الثلاثاء، ديسمبر ٠٦، ٢٠٠٥

مياسة آخر مرة

ومرت السنوات والأيام وتفرق الأصدقاء واختفت أخبار من كنا بالأمس لا نفارقهم إلا عند النوم، وتبدل الأصدقاء بأصدقاء جدد.
وتناسيت أو نسيت كل ماكان، ولم تعد في الذاكرة إلا مجرد ذكريات، حيث يحل الجديد مكان القديم، ولا يبقى مربوطًا بالذاكرة إلا مالم يستطع الجديد طرحة بعيدًا عن الذاكرة، فأزاحه جانبًا لعلهُ يُمسَح مع مر الأيام.
وفي يوم من الأيام كنت أتحدث هاتفيًا مع صديق عبر الهاتف الخلوي - المحمول - في أمر ما، وكنت في دار الأوبرا أحجز إحدى الحفلات لي ولخطيبتي، وكان صديقي هذا غاوٍ لحفلات الأوبرا، وكنت أستشيره في أفضل الأماكن والعروض الموسيقية اللائقة لحضور خطيبين حديثي

العهد ليقضوا معًا سهرة فنية رومانسية، وإذا بي أرى من بعيد فتاه مبهرة القوام وقد ارتدت جلبابًا حريريًا أسودًا فضفاضًا يتشكل حول جسدها بليونة مبهرة مع حركة مشيها المتهادية الناعمة والهواء يحرك جلبابها بصورة رومانسية بخلفية دار الأوبرا ذات الإضائة الخافتة مع

سواد الليل الذي أضفى جوًا خياليًا كمشاهد أفلام السينما، فنظرت مبهورًا نحوها وأنا أستمع إلى صديقي وهو يتحدث إلي عبر الهاتف، وأخذت تقترب متجهة نحوي، وكلما اقتربت ظهرت ملامحها أكثر وإذا بها ”مياسة“.
نظرت مبهورًا نحوها كلما اقتربت وتبسمت مادة يدها لتصافحني، فنقلت هاتفي إلى يدي اليسرى بسرعة ومددت بيدي إليها مبهورًا لأُصافِحوها وأنا عاجز عن الكلام وعن غرابة ومكان اللقاء المفاجيء..
مياسة (سعيدة باللقاء) إزاايااك؟ عامل ايه يا واد؟
* الحمد لله .. إزيك انتي؟ عاملة ايه؟
مياسة الحمد لله، فينك يابني من زمان؟ وايه أخبارك؟
* (بصوت متقطع) أهو .. في الدنيا..

عندها قاطعني صديقي عبر الهاتف..
صديقي انت يابني ...انت بتكلم مين؟
* أيوه .. أيوه.. أنا أهو.. سامعك..

عندها سألتني ”مياسة“ عن موقع شباك حجز التذاكر، فأشرت لها على موقع الشباك وأنا أستمع إلى صديقي، فأومأت بأمتعاض متفهمة وتركتني متجةً نحوه.
أتممت مكالمتي مع صديقي بعد عناء من المحاولات لإنهاء الحديث بسرعة لألحق بمياسة، واتجهت مسرعًا نحو مكان حجز التذاكر لألحق بها، ولكن عندما وصلت لم أجدها، وأخذت أتلفت يمنة ويسرة علي أجدها ولكن لم يكن لها أي أثر.
توجهت بهدوء نحو شباك الحجز وحجزت تذكرتين لعرض موسيقي لائق لحضور خطيبين حديثي العهد ليقضوا معًا سهرة فنية رومانسية.

الاثنين، ديسمبر ٠٥، ٢٠٠٥

مياسة وأنا

جمعتني السنوات الأخيرة للدراسة ”بمياسة“ في المحاضرات، وزاد من ارتباطي بها أو القرب منها العطف عليها، وإعجابي بتغير مسار حياتها واعتداله برغم ما يقال عنها من أنها توقفت عما كانت تفعله بالماضي بسبب وفاة والدها والبحث عن زوج، فقد تبادلنا كشاكيل

المحاضرات في بعض الأحيان، وتصادف أن خرجنا سويًا من الكليه وارتدنا نفس وسيلة المواصلات أثناء العودة إلى المنزل.
وفي يوم من الأيام أثناء إحدى المحاضرات، دعانا أستاذ المادة للإلتفاف حوله في دائرة، وهو جالس يلقي المحاضرة على مكتب في القاعة وقد كان عددنا في حدود العشرين، فالتففنا واقفين من حوله وهو يتناول الشرح على المكتب، وطال حديث الأستاذ وقد شعرنا بالملل من طول

الحديث، فأخذ ينظر بعضنا إلى بعض بنظرات توحي بالنعاس والتثائب، وكانت ”مياسة“ تقف أمامي واضعة يدها اليمنى خلف ظهرها وتمسك بممحاة تقلبها في يدها بملل.
أمسكتُ بقلم كان في يدي وأخذت أداعب أصابعها به، فارتجفت يدها في خوف ثم نظرت إلى الخلف فوجدتني أنظر إليها مبتسمًا وحولي ”زكي“ و”شاكر“ يضحكون بصوت منخفض حتى لا يلتفت الأستاذ المحاضر إلينا، فرجعت بظهرها إلى الخلف مقتربة مني وأمالت رأسها نحوي

هامسة..
مياسة (هامسة) انت ايه؟ ماخنوق مالمحاضره ولا ايه؟
* (بهمس) أكيد ... دالناس كلها قربت تنام وهي واقفة..
مياسة طب ماتيجي نخِلَّع ونزَوَغ ْونقعد في الكافيتريا شوية في السكرَتَه من غير ما الدكتور ياخد باله!!...
* بلاش بدل مانتقفشو ونسمعولنا كلمتين مالهومش لازمه؟

ولم ننه حديثنا الهامس حتى أنهى الدكتور محاضرته، فخرج الجميع مسرعين، وقابلت أثناء خروجي بعض الأصدقاء الملازمين لي، فاتجهنا نحو كافيتريا الجامعة ناسيًا ”مياسة“، وجلسنا حول منضدة في ركن الكافيتريا كنا نعتاد الجلوس حولها، فإذا ”بمياسة“ قادمة نحونا مبتسمة

وألقت التحية وجذبت مقعد كان فارغًا في الطاولة المجاورة لنا..
مياسة هاي .. ازايوكو ياجماعة عاملين ايه؟
(الجميع) كويسين .. الحمد لله.. انتي عاملة ايه؟
مياسة كويسة ..الحمد لله..(موجهة الحديث إلي).. انت مشيت ونسيتني ولا ايه؟ هو انا مش كنت بقولك نقعد في الكافيتريا شوية.. ؟؟
* أيوه .. ماخدتش بالي.. أصلي قابلت الشباب وأنا خارج من المحاضرة.. فنزلت معاهم..
مياسة (ناظرة إلى الصديقات الجالسات بخبث) أيوه ياسيدي.. من لقى أحبابه نسي أصحابه ولا ايه؟..
* لا أبدًا .. خير؟
مياسة (مكملة نفس النظرة إلى الفتيات) لا .. لا .. كنت عاوزه أقعد معاك بس شوية كدا .. نتكلم ..نضيع وقت.. كدا يعني.

فنظر الجميع إلي بنظرة تعجب.. وقامت ”دانية“ وهي تنظر إلي بخبث، وأشارت للجميع بالنهوض..
دانية يالا ياشباب .. يالا يابنات.. نمشي من هنا.. (ناظرة نحوي ونحو ”مياسة“ بخبث وتهكم) .. إظاهر ان احنا عزال هنا واحنا مش عارفين..
شاكر ايه؟ في ايه؟
دانية تعالى نخرج من هنا وانا افهمك..

وقام الجميع وانصرفوا خارجين من الكافيتريا، فاعتدلت ”مياسة“ متجهة نحوي..
مياسة هم ميشيو ليه؟ ايه الكلام اللي قالته دا؟
* مش مستوعب؟!!.
مياسة مش مستوعب؟! .. ايه؟! .. انا مش فاهمه حاجة
* مش مهم .. كبري دماغك .. المهم كنت عاوزه تتكلمي معايا في ايه؟!.
مياسة لا أبدًا .. أن قلت نقعد نتسلى.. ونضيع وقت .. أصلي زهقانه .. ومش عاوزه أروَّح
* يعني مافيش موضوع محدد كنتي عاوزه تتكلمي فيه
مياسة لا ..
* أُمال سيبتي الناس يمَّشّو ليه؟! .. أنا افتكرتك عاوزة تتكلمي في حاجة خاصة ومش عاوزة الشباب تكون قاعدة!!
مياسة (برقة متكلفة) .. هو انت مش عاوز تقعد معايا لوحدينا؟
* لا أبدًا .. بس كدا الناس تفكر ان في حاجة بينا مش معلنة!
مياسة وايه يعني ! ما يفكروا ولا مايفكروش .. انت مهتم ليه؟ انت في واحدة تهمك فيهم وخايف منها؟
* لا أبدًا .. الموضوع مش كدا، بس أنا كنت حابب ان احنا نكون قاعدين جماعة.. عمومًا .. يالا بينا عشان المحاضرة حاتبتدي.

فقمت من مقعدي مسرعًا.. ألملم أغراضي..
* حاتيجي معايا؟
مياسة (متذمرة) .. لا أنا قاعدة شوية.

فتركتها وانصرفت متجهًا إلى قاعة المحاضرات.
وبهذا وضعت حدًا فاصلاً بيني وبين ”مياسة“ لم تحاول كسرَهُ حتى آخر أيامنا في الدراسة في السنة النهائية واقتصرت علاقتنا على مجرد علاقة الزمالة والدراسة.

الخميس، ديسمبر ٠١، ٢٠٠٥

لمياسة حياتها

كالعادة لم تجمعني ”بمياسة“ أي اهتمامات، واقتصرت معرفتنا في حدود إلقاء التحيات والتهاني أثناء تواجدنا معًا في أروقة الكلية أو قاعات المحاضرات، واستمرت حياة ”مياسة“ في الإنهيار ولم يكن لها اتجاه في الحياة غير الحياة من أجل اللا شيء، فهي تأتي إلى الجامعة من أجل الحضور فقط لتجتمع بأقرانها ليجتمعوا معًا في أماكن اللهو، وتعاطي المخدرات وشرب المنكرات، حتى لم يمر العام حتى أصبحت ”مياسة“ غريبة الأطوار، فقد فقدت الكثير من وزنها، وتغير وجهها، وجحظت عيناها، واشتد السواد حولهما والتي جاهددت في اخفائه بألوان الزينة – المكياج – حتى يأست من ذلك، فلم تعد تعير هذا الموضوع اهتمامًا.
واستمرت ”مياسة“ في هذه الحياة حتى نفر منها الجميع عدا نظيراتها، واعتقد الجميع أنه لا مغير للحال، حتى اختفت ”مياسة“ عن الأنظار، فقد توفي والدها ومن المؤكد بأن هذه صدمة قوية على الرجال فما بالك بالنساء؟.
وعادت ”مياسة“ منكسرة وعلامات الحزن تعلوا وجهها، ولكن زاد وزنها قليلاً بسبب الإبتعاد عن رفقة السوء لفترة، ولكن كانت مذبذبة في حياتها فتارة تقبل على رفقة رفاقها وتارة ترفض مرافقتهم وتفضل الإبتعاد عنهم.
وبعد فترة فوجئنا ”بمياسة“ تحضر للجامعة وقد ارتدت الحجاب، لم تغير ”مياسة“ من مظهرها كثيرًا، فقط كان حجابًا للرأس مع ملابسها العادية ولكن ربما كانت تختار الفضفاض منها.
لم يكن لرفيقات السوء أن يتركوها هكذا, وكانت ”أسماء“ أقرب الرفاق إليها تغريها باستمرار بالتواجد والذهاب معها كسالف عهدهم، ولكن ”مياسة“ كانت ترفض باستمرار، مما جعل من ”أسماء“ أن تتحدث بين الناس بأن ”مياسة“ لم ترتد الحجاب إلا من أجل لفت إنتباه الشباب إليها وأنها لم تفعل ذلك إلا لتصطاد زوجًا، والشباب في هذه الأيام ينخدعون بالمظاهر ويعتقدون أن الفتاة المحجبة هي فتاة عفيفة ومؤدبة، قائلة – (آل يعني .. هي فاكرة إن الناس حاتنسى بسهوله اللي كانت بتعمله معانا)، ثم تضحك بصوت عال وخليع.
وغيرت ”مياسة“ صديقاتها، وتجنبت رفاق الماضي، وارتبطت بصديقات جديدات، ولعلها قصدت بذلك الإبتعاد عن كل ما يربطها بالماضي، محاولة نسيانه بالأهتمام بالكلية والمحاضرات..