جمعتني السنوات الأخيرة للدراسة ”بمياسة“ في المحاضرات، وزاد من ارتباطي بها أو القرب منها العطف عليها، وإعجابي بتغير مسار حياتها واعتداله برغم ما يقال عنها من أنها توقفت عما كانت تفعله بالماضي بسبب وفاة والدها والبحث عن زوج، فقد تبادلنا كشاكيل
المحاضرات في بعض الأحيان، وتصادف أن خرجنا سويًا من الكليه وارتدنا نفس وسيلة المواصلات أثناء العودة إلى المنزل.
وفي يوم من الأيام أثناء إحدى المحاضرات، دعانا أستاذ المادة للإلتفاف حوله في دائرة، وهو جالس يلقي المحاضرة على مكتب في القاعة وقد كان عددنا في حدود العشرين، فالتففنا واقفين من حوله وهو يتناول الشرح على المكتب، وطال حديث الأستاذ وقد شعرنا بالملل من طول
الحديث، فأخذ ينظر بعضنا إلى بعض بنظرات توحي بالنعاس والتثائب، وكانت ”مياسة“ تقف أمامي واضعة يدها اليمنى خلف ظهرها وتمسك بممحاة تقلبها في يدها بملل.
أمسكتُ بقلم كان في يدي وأخذت أداعب أصابعها به، فارتجفت يدها في خوف ثم نظرت إلى الخلف فوجدتني أنظر إليها مبتسمًا وحولي ”زكي“ و”شاكر“ يضحكون بصوت منخفض حتى لا يلتفت الأستاذ المحاضر إلينا، فرجعت بظهرها إلى الخلف مقتربة مني وأمالت رأسها نحوي
هامسة..
مياسة (هامسة) انت ايه؟ ماخنوق مالمحاضره ولا ايه؟
* (بهمس) أكيد ... دالناس كلها قربت تنام وهي واقفة..
مياسة طب ماتيجي نخِلَّع ونزَوَغ ْونقعد في الكافيتريا شوية في السكرَتَه من غير ما الدكتور ياخد باله!!...
* بلاش بدل مانتقفشو ونسمعولنا كلمتين مالهومش لازمه؟
ولم ننه حديثنا الهامس حتى أنهى الدكتور محاضرته، فخرج الجميع مسرعين، وقابلت أثناء خروجي بعض الأصدقاء الملازمين لي، فاتجهنا نحو كافيتريا الجامعة ناسيًا ”مياسة“، وجلسنا حول منضدة في ركن الكافيتريا كنا نعتاد الجلوس حولها، فإذا ”بمياسة“ قادمة نحونا مبتسمة
وألقت التحية وجذبت مقعد كان فارغًا في الطاولة المجاورة لنا..
مياسة هاي .. ازايوكو ياجماعة عاملين ايه؟
(الجميع) كويسين .. الحمد لله.. انتي عاملة ايه؟
مياسة كويسة ..الحمد لله..(موجهة الحديث إلي).. انت مشيت ونسيتني ولا ايه؟ هو انا مش كنت بقولك نقعد في الكافيتريا شوية.. ؟؟
* أيوه .. ماخدتش بالي.. أصلي قابلت الشباب وأنا خارج من المحاضرة.. فنزلت معاهم..
مياسة (ناظرة إلى الصديقات الجالسات بخبث) أيوه ياسيدي.. من لقى أحبابه نسي أصحابه ولا ايه؟..
* لا أبدًا .. خير؟
مياسة (مكملة نفس النظرة إلى الفتيات) لا .. لا .. كنت عاوزه أقعد معاك بس شوية كدا .. نتكلم ..نضيع وقت.. كدا يعني.
فنظر الجميع إلي بنظرة تعجب.. وقامت ”دانية“ وهي تنظر إلي بخبث، وأشارت للجميع بالنهوض..
دانية يالا ياشباب .. يالا يابنات.. نمشي من هنا.. (ناظرة نحوي ونحو ”مياسة“ بخبث وتهكم) .. إظاهر ان احنا عزال هنا واحنا مش عارفين..
شاكر ايه؟ في ايه؟
دانية تعالى نخرج من هنا وانا افهمك..
وقام الجميع وانصرفوا خارجين من الكافيتريا، فاعتدلت ”مياسة“ متجهة نحوي..
مياسة هم ميشيو ليه؟ ايه الكلام اللي قالته دا؟
* مش مستوعب؟!!.
مياسة مش مستوعب؟! .. ايه؟! .. انا مش فاهمه حاجة
* مش مهم .. كبري دماغك .. المهم كنت عاوزه تتكلمي معايا في ايه؟!.
مياسة لا أبدًا .. أن قلت نقعد نتسلى.. ونضيع وقت .. أصلي زهقانه .. ومش عاوزه أروَّح
* يعني مافيش موضوع محدد كنتي عاوزه تتكلمي فيه
مياسة لا ..
* أُمال سيبتي الناس يمَّشّو ليه؟! .. أنا افتكرتك عاوزة تتكلمي في حاجة خاصة ومش عاوزة الشباب تكون قاعدة!!
مياسة (برقة متكلفة) .. هو انت مش عاوز تقعد معايا لوحدينا؟
* لا أبدًا .. بس كدا الناس تفكر ان في حاجة بينا مش معلنة!
مياسة وايه يعني ! ما يفكروا ولا مايفكروش .. انت مهتم ليه؟ انت في واحدة تهمك فيهم وخايف منها؟
* لا أبدًا .. الموضوع مش كدا، بس أنا كنت حابب ان احنا نكون قاعدين جماعة.. عمومًا .. يالا بينا عشان المحاضرة حاتبتدي.
فقمت من مقعدي مسرعًا.. ألملم أغراضي..
* حاتيجي معايا؟
مياسة (متذمرة) .. لا أنا قاعدة شوية.
فتركتها وانصرفت متجهًا إلى قاعة المحاضرات.
وبهذا وضعت حدًا فاصلاً بيني وبين ”مياسة“ لم تحاول كسرَهُ حتى آخر أيامنا في الدراسة في السنة النهائية واقتصرت علاقتنا على مجرد علاقة الزمالة والدراسة.
الاثنين، ديسمبر ٠٥، ٢٠٠٥
مياسة وأنا
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق