الثلاثاء، ديسمبر ٠٦، ٢٠٠٥

مياسة آخر مرة

ومرت السنوات والأيام وتفرق الأصدقاء واختفت أخبار من كنا بالأمس لا نفارقهم إلا عند النوم، وتبدل الأصدقاء بأصدقاء جدد.
وتناسيت أو نسيت كل ماكان، ولم تعد في الذاكرة إلا مجرد ذكريات، حيث يحل الجديد مكان القديم، ولا يبقى مربوطًا بالذاكرة إلا مالم يستطع الجديد طرحة بعيدًا عن الذاكرة، فأزاحه جانبًا لعلهُ يُمسَح مع مر الأيام.
وفي يوم من الأيام كنت أتحدث هاتفيًا مع صديق عبر الهاتف الخلوي - المحمول - في أمر ما، وكنت في دار الأوبرا أحجز إحدى الحفلات لي ولخطيبتي، وكان صديقي هذا غاوٍ لحفلات الأوبرا، وكنت أستشيره في أفضل الأماكن والعروض الموسيقية اللائقة لحضور خطيبين حديثي

العهد ليقضوا معًا سهرة فنية رومانسية، وإذا بي أرى من بعيد فتاه مبهرة القوام وقد ارتدت جلبابًا حريريًا أسودًا فضفاضًا يتشكل حول جسدها بليونة مبهرة مع حركة مشيها المتهادية الناعمة والهواء يحرك جلبابها بصورة رومانسية بخلفية دار الأوبرا ذات الإضائة الخافتة مع

سواد الليل الذي أضفى جوًا خياليًا كمشاهد أفلام السينما، فنظرت مبهورًا نحوها وأنا أستمع إلى صديقي وهو يتحدث إلي عبر الهاتف، وأخذت تقترب متجهة نحوي، وكلما اقتربت ظهرت ملامحها أكثر وإذا بها ”مياسة“.
نظرت مبهورًا نحوها كلما اقتربت وتبسمت مادة يدها لتصافحني، فنقلت هاتفي إلى يدي اليسرى بسرعة ومددت بيدي إليها مبهورًا لأُصافِحوها وأنا عاجز عن الكلام وعن غرابة ومكان اللقاء المفاجيء..
مياسة (سعيدة باللقاء) إزاايااك؟ عامل ايه يا واد؟
* الحمد لله .. إزيك انتي؟ عاملة ايه؟
مياسة الحمد لله، فينك يابني من زمان؟ وايه أخبارك؟
* (بصوت متقطع) أهو .. في الدنيا..

عندها قاطعني صديقي عبر الهاتف..
صديقي انت يابني ...انت بتكلم مين؟
* أيوه .. أيوه.. أنا أهو.. سامعك..

عندها سألتني ”مياسة“ عن موقع شباك حجز التذاكر، فأشرت لها على موقع الشباك وأنا أستمع إلى صديقي، فأومأت بأمتعاض متفهمة وتركتني متجةً نحوه.
أتممت مكالمتي مع صديقي بعد عناء من المحاولات لإنهاء الحديث بسرعة لألحق بمياسة، واتجهت مسرعًا نحو مكان حجز التذاكر لألحق بها، ولكن عندما وصلت لم أجدها، وأخذت أتلفت يمنة ويسرة علي أجدها ولكن لم يكن لها أي أثر.
توجهت بهدوء نحو شباك الحجز وحجزت تذكرتين لعرض موسيقي لائق لحضور خطيبين حديثي العهد ليقضوا معًا سهرة فنية رومانسية.

الاثنين، ديسمبر ٠٥، ٢٠٠٥

مياسة وأنا

جمعتني السنوات الأخيرة للدراسة ”بمياسة“ في المحاضرات، وزاد من ارتباطي بها أو القرب منها العطف عليها، وإعجابي بتغير مسار حياتها واعتداله برغم ما يقال عنها من أنها توقفت عما كانت تفعله بالماضي بسبب وفاة والدها والبحث عن زوج، فقد تبادلنا كشاكيل

المحاضرات في بعض الأحيان، وتصادف أن خرجنا سويًا من الكليه وارتدنا نفس وسيلة المواصلات أثناء العودة إلى المنزل.
وفي يوم من الأيام أثناء إحدى المحاضرات، دعانا أستاذ المادة للإلتفاف حوله في دائرة، وهو جالس يلقي المحاضرة على مكتب في القاعة وقد كان عددنا في حدود العشرين، فالتففنا واقفين من حوله وهو يتناول الشرح على المكتب، وطال حديث الأستاذ وقد شعرنا بالملل من طول

الحديث، فأخذ ينظر بعضنا إلى بعض بنظرات توحي بالنعاس والتثائب، وكانت ”مياسة“ تقف أمامي واضعة يدها اليمنى خلف ظهرها وتمسك بممحاة تقلبها في يدها بملل.
أمسكتُ بقلم كان في يدي وأخذت أداعب أصابعها به، فارتجفت يدها في خوف ثم نظرت إلى الخلف فوجدتني أنظر إليها مبتسمًا وحولي ”زكي“ و”شاكر“ يضحكون بصوت منخفض حتى لا يلتفت الأستاذ المحاضر إلينا، فرجعت بظهرها إلى الخلف مقتربة مني وأمالت رأسها نحوي

هامسة..
مياسة (هامسة) انت ايه؟ ماخنوق مالمحاضره ولا ايه؟
* (بهمس) أكيد ... دالناس كلها قربت تنام وهي واقفة..
مياسة طب ماتيجي نخِلَّع ونزَوَغ ْونقعد في الكافيتريا شوية في السكرَتَه من غير ما الدكتور ياخد باله!!...
* بلاش بدل مانتقفشو ونسمعولنا كلمتين مالهومش لازمه؟

ولم ننه حديثنا الهامس حتى أنهى الدكتور محاضرته، فخرج الجميع مسرعين، وقابلت أثناء خروجي بعض الأصدقاء الملازمين لي، فاتجهنا نحو كافيتريا الجامعة ناسيًا ”مياسة“، وجلسنا حول منضدة في ركن الكافيتريا كنا نعتاد الجلوس حولها، فإذا ”بمياسة“ قادمة نحونا مبتسمة

وألقت التحية وجذبت مقعد كان فارغًا في الطاولة المجاورة لنا..
مياسة هاي .. ازايوكو ياجماعة عاملين ايه؟
(الجميع) كويسين .. الحمد لله.. انتي عاملة ايه؟
مياسة كويسة ..الحمد لله..(موجهة الحديث إلي).. انت مشيت ونسيتني ولا ايه؟ هو انا مش كنت بقولك نقعد في الكافيتريا شوية.. ؟؟
* أيوه .. ماخدتش بالي.. أصلي قابلت الشباب وأنا خارج من المحاضرة.. فنزلت معاهم..
مياسة (ناظرة إلى الصديقات الجالسات بخبث) أيوه ياسيدي.. من لقى أحبابه نسي أصحابه ولا ايه؟..
* لا أبدًا .. خير؟
مياسة (مكملة نفس النظرة إلى الفتيات) لا .. لا .. كنت عاوزه أقعد معاك بس شوية كدا .. نتكلم ..نضيع وقت.. كدا يعني.

فنظر الجميع إلي بنظرة تعجب.. وقامت ”دانية“ وهي تنظر إلي بخبث، وأشارت للجميع بالنهوض..
دانية يالا ياشباب .. يالا يابنات.. نمشي من هنا.. (ناظرة نحوي ونحو ”مياسة“ بخبث وتهكم) .. إظاهر ان احنا عزال هنا واحنا مش عارفين..
شاكر ايه؟ في ايه؟
دانية تعالى نخرج من هنا وانا افهمك..

وقام الجميع وانصرفوا خارجين من الكافيتريا، فاعتدلت ”مياسة“ متجهة نحوي..
مياسة هم ميشيو ليه؟ ايه الكلام اللي قالته دا؟
* مش مستوعب؟!!.
مياسة مش مستوعب؟! .. ايه؟! .. انا مش فاهمه حاجة
* مش مهم .. كبري دماغك .. المهم كنت عاوزه تتكلمي معايا في ايه؟!.
مياسة لا أبدًا .. أن قلت نقعد نتسلى.. ونضيع وقت .. أصلي زهقانه .. ومش عاوزه أروَّح
* يعني مافيش موضوع محدد كنتي عاوزه تتكلمي فيه
مياسة لا ..
* أُمال سيبتي الناس يمَّشّو ليه؟! .. أنا افتكرتك عاوزة تتكلمي في حاجة خاصة ومش عاوزة الشباب تكون قاعدة!!
مياسة (برقة متكلفة) .. هو انت مش عاوز تقعد معايا لوحدينا؟
* لا أبدًا .. بس كدا الناس تفكر ان في حاجة بينا مش معلنة!
مياسة وايه يعني ! ما يفكروا ولا مايفكروش .. انت مهتم ليه؟ انت في واحدة تهمك فيهم وخايف منها؟
* لا أبدًا .. الموضوع مش كدا، بس أنا كنت حابب ان احنا نكون قاعدين جماعة.. عمومًا .. يالا بينا عشان المحاضرة حاتبتدي.

فقمت من مقعدي مسرعًا.. ألملم أغراضي..
* حاتيجي معايا؟
مياسة (متذمرة) .. لا أنا قاعدة شوية.

فتركتها وانصرفت متجهًا إلى قاعة المحاضرات.
وبهذا وضعت حدًا فاصلاً بيني وبين ”مياسة“ لم تحاول كسرَهُ حتى آخر أيامنا في الدراسة في السنة النهائية واقتصرت علاقتنا على مجرد علاقة الزمالة والدراسة.

الخميس، ديسمبر ٠١، ٢٠٠٥

لمياسة حياتها

كالعادة لم تجمعني ”بمياسة“ أي اهتمامات، واقتصرت معرفتنا في حدود إلقاء التحيات والتهاني أثناء تواجدنا معًا في أروقة الكلية أو قاعات المحاضرات، واستمرت حياة ”مياسة“ في الإنهيار ولم يكن لها اتجاه في الحياة غير الحياة من أجل اللا شيء، فهي تأتي إلى الجامعة من أجل الحضور فقط لتجتمع بأقرانها ليجتمعوا معًا في أماكن اللهو، وتعاطي المخدرات وشرب المنكرات، حتى لم يمر العام حتى أصبحت ”مياسة“ غريبة الأطوار، فقد فقدت الكثير من وزنها، وتغير وجهها، وجحظت عيناها، واشتد السواد حولهما والتي جاهددت في اخفائه بألوان الزينة – المكياج – حتى يأست من ذلك، فلم تعد تعير هذا الموضوع اهتمامًا.
واستمرت ”مياسة“ في هذه الحياة حتى نفر منها الجميع عدا نظيراتها، واعتقد الجميع أنه لا مغير للحال، حتى اختفت ”مياسة“ عن الأنظار، فقد توفي والدها ومن المؤكد بأن هذه صدمة قوية على الرجال فما بالك بالنساء؟.
وعادت ”مياسة“ منكسرة وعلامات الحزن تعلوا وجهها، ولكن زاد وزنها قليلاً بسبب الإبتعاد عن رفقة السوء لفترة، ولكن كانت مذبذبة في حياتها فتارة تقبل على رفقة رفاقها وتارة ترفض مرافقتهم وتفضل الإبتعاد عنهم.
وبعد فترة فوجئنا ”بمياسة“ تحضر للجامعة وقد ارتدت الحجاب، لم تغير ”مياسة“ من مظهرها كثيرًا، فقط كان حجابًا للرأس مع ملابسها العادية ولكن ربما كانت تختار الفضفاض منها.
لم يكن لرفيقات السوء أن يتركوها هكذا, وكانت ”أسماء“ أقرب الرفاق إليها تغريها باستمرار بالتواجد والذهاب معها كسالف عهدهم، ولكن ”مياسة“ كانت ترفض باستمرار، مما جعل من ”أسماء“ أن تتحدث بين الناس بأن ”مياسة“ لم ترتد الحجاب إلا من أجل لفت إنتباه الشباب إليها وأنها لم تفعل ذلك إلا لتصطاد زوجًا، والشباب في هذه الأيام ينخدعون بالمظاهر ويعتقدون أن الفتاة المحجبة هي فتاة عفيفة ومؤدبة، قائلة – (آل يعني .. هي فاكرة إن الناس حاتنسى بسهوله اللي كانت بتعمله معانا)، ثم تضحك بصوت عال وخليع.
وغيرت ”مياسة“ صديقاتها، وتجنبت رفاق الماضي، وارتبطت بصديقات جديدات، ولعلها قصدت بذلك الإبتعاد عن كل ما يربطها بالماضي، محاولة نسيانه بالأهتمام بالكلية والمحاضرات..

الأربعاء، نوفمبر ٣٠، ٢٠٠٥

مياسة ثاني مرة


كنت مسافرًا بالقطار من بلدتي متجهًا إلى القاهرة لأحضر محاضراتي في الجامعة، وكانت المحاضرات متأخرة عند منتصف النهار، فركبت قطار العاشرة صباحًا مستقلاً الدرجة الثانية العادية بإشتراك الطلبة الَّذي أملكه، وكالعادة كان القطار ممتلئًا ولا توجد أماكن للجلوس وهذا يعني السفر واقفًا لمدة قد تزيد عن الساعتين والنصف.
وكان كالعادة لا بد من مقابلة بعض الأشخاص الَّذين أعرفهم أو تعرفت عليهم من خلال السفر اليومي عبر القطار، فظهر لي ”ايمن“ كنت قد تعرفت عليه عن طريق أحد الأصدقاء ولم تجمعني معه أي سابق صداقة غير الإسم، وتحاورنا وعلمت أنه يدرس في كلية التجارة بمدينة ”بنها“، وأنه متجه اليها الآن.
وكان ”ايمن“ متأخرًا في دراسته ويكبرني بعدة اعوام، وكان يدخن السجائر بشرهة وكنت لا أدخن، وكنت أعلم عنه انحرافات فترة المراهقة من شرب السجائر والجلوس على المقاهي للعب الطاولة والدمينو وتدخين الشيشة.
كان ”ايمن“ يسترسل في الحديث بدون ملل حتى قلل القطار من سرعته ليقف في محطة ”طنطا“، وكنا نقف بجوار باب القطار وهو مفتوح كعادة قطارات الدرجة الثانية، وفجأة ظهرت علامات الإهتمام على وجه ”ايمن“...
ايمن تعالى بسرعة العربية التانية شكلها كدا (المُوزَّة) اللي كانت عالرصيف ركبت فيه..
* (مُوزِّة) ايه ياعم اللي انت بتتكلم عنها ياعم كبر دماغك.
ايمن ياعم دي شاكلها جامده موت.. والقطر مليان (عوق) كتير وسهل انحنا نشدوها من بينهم..
* يووه .. يا عم احلق..
ايمن تعالى بس...

وجذبني متجهًا نحو العربة الثانية وكانت مكتظة بالناس ولم تكن موجودة بها تلك (المُوزَّة)..، وأخذ يقاتل للعبور بين الناس حتى يصل الى العربه التالية، ودخلنا العربة التالية وقف ”ايمن“ مشدوهًا ولكزني في يدي مشيرًا لها، واتجهت بنظري نحوها وكانت تنظر إلي، لقد كانت ”مياسة“.
كانت تغيرت كثيرًا، قصة الشعر اختلفت فقد كانت ذات شعر بني داكن طويل وهو الآن أصفر قصير(كاريه).
وكانت تعتاد لبس الجونلات ولكنها الآن تلبس (جينز) ضيق من عند الأرداف واسع قليلاً من أسفل، و(بدي) ضيق يكاد يندمج مع جسدها فلا يستر شيئًا من تضاريس جسدها، وتعتقد لأول وهله أن صدرها يكاد يختنق لعدم قدرته على الأستغاثة لينجوا من هذا الضغط لينفجر خارجًا من بين طياته.
اتجهت نحوها وتحركت نحوي وهي لا ترفع عينيها عني تحدثني عينها بحديث صامت كأنها التاعت لرؤيتي لها في هذا القطار.
فكانت ”مياسة“ من النوع الَّذي يهوى المظاهر، فلم تكن تحب أن أراها في قطار عام من الدرجة الثانية العادية، وانما كانت تفضل أن تكون من ركاب الدرجة الأولى المكيفة أو الثانية المكيفة على أقل حال..
* ازيك؟! .. عاملة ايه؟
مياسة كويسه!!
* تعالي معانا.. نروحو.. العربية التانية ..أصلها فاضية شوية..

وكانت تلك العربة تكاد تخلو من الهواء من كثرة البشر فيها المتلاصقون والمتواجدون في كل حيز من العربة على المقاعد وفوق أرفف الأمتعة وخلف الأبواب وحتى في دورات المياه التي لم تنظف من عشرات السنين.
وسارت خلفي صامته و”ايمن“ يعلوه الصمت أيضًا مشدوهًا لا يكاد يصدق نفسه من أنه يسير بجوارها.
وصلنا إلى العربة الشبه هادئة التي كنا نقف بها وتنحينا بها جانبا خلف باب القطار بعيدًا عن أقدام الركاب المارة حتى لا تطئنا، وبدت على ”مياسة“ علامات الإندهاش وعدم التصديق، وكأنها كانت تعتقد أنني آخذها لنجلسها في مقاعد لنا في تلك العربة.
* ايه الأخبار؟ عامله ايه؟
مياسة الحمد لله!
* هنا أحسن من العربية التانية اللي كنتي فيها.. أهدى شوية.. مش كدا؟
مياسة أ.. أه.. يعني شوية.
(ثم قالت بصوت هادئ كسير تحاول أن ترفع من كرامتها المجروحة)
أصلي اضطريت أركب القطر دا عشان ألحق المحاضرات بتاعتي... أصل مافيش غيره دي الوقت... وكمان (بابي) عاملي فيه إشتراك كدا احتياطي للزنقات يعني... عشان أحيانًا مواعيدي ما بتتوافقش مع القُطُّرًّه المكيفة وأحيانًا ما بالاقيش حجز فاضي.. أصل (بابي) عاملي إشتراك في القطر المكيف وفي دا .. وكمان عاملي إشتراك في الأوتوبيس المكيف .. (محاولة نفي تهمة البساطة في الحياة عنها مستجدية التعال والغنى)
* (هززت رأسي معلنًا تفهمي لها) .. أيوه أيوه فاهم .. (بلا مبالاة) .. ياستي مش فارقة ... كبري دماغك ... أهي توصيلة والسلام.
ايمن بس برضه ... (محاولاً التدخل في الحديث وكنت لم أُعَرِف أي من هما للآخر متعمدًا) ... يعني حاولي ماتركبيهوش كتير لوحدك (محاولاً التودد بصنع من نفسه ملاكًا) عشان ما تتعرضيش لأي معاكسه كدا ولا كدا من الركاب..
مياسة أيوه أيوه .. (بصوت منخفض بدون النظر إليه معلنة عدم رغبتها في الحديث معه).. فاهمه.
وكان القطار يُهَدِّئ من سرعته لدخوله محطة قطار ”بنها“، وودعت ”ايمن“ ولم أره من يومها مرة أخرى بعد ذلك، وقضيت الوقت - أنا و”مياسة“- في الحديث عن الدِراسَة والمحاضرات وأخبار الفتيان والفتيات من زملاء الدِراسَة، وكان القطار يسير الهوينى كما لو كان لا يريد الوصول، وكان يزداد إزدحامًا عند الوقوف عند كل محطة، وكان بجوارنا عند باب القطار المغلق المقابل لنا عائلة صعيدية تفترش الأرض وتضع حولها متاع السفر وتبدوا عليهم علامات الفقر، وكانت العائلة تتكون من أب يجاوز الخمسين من العمر وبجواره زوجته تتدثر بالسواد، وحولهما أطفالهما يتقافزون ويلعبون.
أخرجت المرأة كيسًا من بين متاعها وفتحته وافترشته على الأرض، وكان به بلح أحمر، وكانت ”مياسة“ تنظر إليهم بنوع من الرقة والشفقة، وبينما ننظر إليهم أثناء حديثنا، كانت السيدة تمسح البلح بورق الجرائد قبل أن تأكله أو تعطيه لأبنائها بنوع من العفوية، ونظرت المرأة لأعلى باتجاه ”مياسة“ ومدت لها يدها بالبلح تعطيها ”لمياسة“..
مياسة لا .. لا .. (برقة) ميرسي .. شكرًا..

وأصرت السيدة مادة يدها بالبلح ”لمياسة“ ..
السيدة خذي .. خذي .. والله لا تاخديها...
مياسة ميرسي ياحجة ... والله مش حاقدر ... بالهنا والشفا..

فظهرت على السيدة علامات الإحباط فمدت يدها نحوي تعطيني ما في يديها، فأشرت لها في صمت بالشكر وعدم الرغبة، فأومأت برأسها متفهمة ومدت يدها إلى فمها لتأكل البلح، واستدرت أنا و”مياسة“ لنعطيهم ظهرنا، وهمست ”مياسة“ في أذني مبتسمة...
مياسة انت واخد بالك... دي مسحت البلح بالجرايد!!
* غلابة.. (قلتها بتنهيدة بسيطة علامة على الأسف)

فأومأت ”مياسة“ برأسها علامة على التفهم..
كنا نمر بمحطة شبرا الخيمة وبجوارها محطة مترو الأنفاق، وكانت وقتها حديثة العهد، لم تفتح إلا منذ شهرين على الأكثر، وكان يمر بجوارنا قطار المترو ببطء داخل المحطة، فأخذ الأطفال يتصايحون فرحًا وأخذوا يجذبون أباهم من ذقنه ليلتفت نحو الباب ليرى قطار المترو، فتبسم الرجل وهو جالس على الأرض وتمتم قائلاً..
- دا الجطر بتاع الحرامية.. عايركابوه الحرامية اللي معاهم فلوس بس..

فنظرتُ إلى ”مياسة“ مبتسمًا، فوجدتها لم تتمالك نفسها من الضحك وضمت ما كان معها من كشاكيل المحاضرات إلى صدرها ثم نظرت إلى الأرض، مداعبة أرض القطار بأطراف أصابعها حتى تتمالك نفسها ولا يعلو صوتها بالضحك وسط الناس، ثم رفعت رأسها ناظرة إلي..
مياسة (هامسة) الناس دول غلابة قوي..
* أيوه .. الدنيا فيها غلابة كتير..
مياسة بس دول صعبانين عليا قوي..

فنظرت إليها محركًا كتفي علامة عدم التعليق، وكان القطار قدو صل إلى المحطة، فخرجنا من المحطة، وتوجهنا إلى الكلية راكبين (الميني باص) لا نتكلم إلا قليلاً في موضوعات متفرقة بخصوص الدراسة أو عن أحد الزملاء، وعندما وصلنا إلى مبنى الكلية تفرقنا وإتجه كل منا إلى محاضرته..

الثلاثاء، نوفمبر ٢٩، ٢٠٠٥

مياسة


كانت ”مياسة“ فتاه معتدلة القوام، معتدلة الملامح، خمرية اللون أقرب إلى البياض، ذات شعر بني داكن مقارب للسواد ككافة أو معظم المصريات؛ وقد تعرفت على ”مياسة“ في السنة الأولى من الجامعة، التقيتها في محطة القطار وتعرفت عليها عن طريق أصدقاء الجامعة حيث كنا نجتمع معًا ونتواعد لركوب القطار حيث كنا نسافر يوميًا أو إسبوعيًا بعد إنتهاء محاضراتنا في الجامعة.
لم تزد معرفتي ”بمياسة“ بأكثر من إلقاء السلام والتحيات والأبتسام والإيمائات أحيانًا أخرى عند اختلاف أوقات المقابلات، فلم تكن إهتماماتي قد تجتمع مع إهتماماتها في يوم من الأيام.
كان من الواضح أن ”مياسة“ تمر بإضطرابات عائلية أو نفسية لسبب ما، وكان ذلك واضحًا من إهتماماتها المنحرفة، فكانت لها مجموعة من الصديقات هواة المقاهي والشيشة والبانجو والخمور وقد تتعدى أو تعدت تلك الإهتمامات إلى الجنس.
وكانت لتلك المجموعة صديق مقرب جدًا يدعى ”علاء“ قد يشاركهم كل تلك الإهتمامات على ما أعتقد عدا تلك الأخيرة ”الجنس“، فعلى ما أعتقد كانت خارج إهتماماته أو مقدرته بمعنى أدق.
وكان ”علاء“ يقوم بواجب مهم جدًا وهو السبب الأساسي لأصطحابهم له فكان ”علاء“ هو صاحب (تظبيط) السهرات، فلقد كانت المجموعة تخشى أن تشتهر داخل الجامعة بتلك الإنحرافات وكان ”علاء“ من يقوم بإحضار بعض الشباب من خارج أسوار الجامعة من أصحاب نفس الإهتمامات ويملكون المال اللازم والسيارات اللازمه لتلك ”الخروجات“.
وكان لنا زميل ساذج يدعى ”باهر“ يشتهر (بالفشر) ولا تجمعه ”بمياسة“ أي من تلك الإهتمامات ولكنه كان كلما أعجبته فتاه من الجامعة قام بالتقرب منها والحديث معها عن أمجاده وبطولاته في سوق العمل، وأنه يعمل بالفن والديكور منذ كان في الثانيةِ عشرَ من عمرهِ، مما أكسبه كثيرٌ من المال الَّذي اشترى به شقة للسكن في مدينة نصر وجهزه بأحدث صيحات الديكور والمفروشات، كل هذه الأحاديث كان يحكيها لكل فتاه يحاول أن يتقرب منها بالرغم مظهره الَّذي لا يدل على أي من تلك الثروة الَّتي كونها من العمل في الفن، وبالكاد كان يمتلك مصروف يومه الَّذي يأخذه من والده الَّذي كان تاجرًا قليل المال.
وفي يوم من الأيام، وأمام أبواب الجامعة كنا نقف بعد إنتهاء اليوم الدراسي، وكانت ”مياسة“ تركب في المقعد الخلفي لسيارة حمراء وكان مالكها شاب من خارج الجامعة لا يعرفه منا أحد ويقف خارج السيارة وبجواره ”علاء“ يتاحدثون ويبدو أنهم ينتظرون حضور باقي (الشلة) لخروجهم لسهرة ما.
وفجأة إقترب ”باهر“ من السيارة ونقر فوق زجاج السيارة برقة شديدة مشيرًا ”لمياسة“ برقة وسذاجة عاليه لتفتح له زجاج السيارة ليحدثها، فابتسمت له إبتسامة تجمع ما بين الخوف والإهتمام..
باهر ازيك؟
مياسة الحمد لله.
باهر انتي عامله ايه؟
مياسة كويسه.
باهر انتي رايحة معاهم فين أنا كنت عاوز أكلمك.
مياسة حاأروَّح في سِكتهم ... أهي توصيله ببلاش.
باهر (يسذاجة والبسمة تعلو شفتيه) طب خلاص يبقى مرة تانيه.

فابتسمت له وهمت بإغلاق النافذة
مياسة أوكي سلام.

ورجع إلى الخلف بظهره متجهًا إلينا وهو لايرفع عينيه الهائمتين المتيمتين عنها وهي تغلق نافذة السيارة.
كل هذا وأنا ومن حولي ننظر بأهتمام، ولاحظت مياسة ذلك وهي تنظر إلينا وتدرك مدى فهمنا لها وإلى أين قد تذهب الآن.
وبعد إنصرافها إقتربت من ”باهر“ وتحركنا للإنصراف، وفي أثناء سيرنا تجاذبنا الحديث:
* أيوه ياسيدي ايه الأخبار؟
باهر الحمد لله.
* الحمد لله .. خير بقى؟
باهر ايه في ايه؟
* انت اللي في ايه؟ في دماغك ايه؟
باهر في دماغي ايه ازاي يعني؟
* يعني ياحدق من ناحية ”مياسة“ انت عاوز ايه؟
باهر (مبتسمًا بسذاجة) لا عادي زي غيرها ..
* ياسيدي .. ايه ياعم؟! يامحطم قلوب العذارى أنت.. ومالاقيتش غير دي؟
باهر اشمعنى يعني؟
* يعني دي مش لونك يا (مان) .. مش (مايتك) يعني .. يعني مش دي اللي تمشي معاك .. ”مياسة“ مش (كِمْيتك) يا معلم.
باهر يعني ايه اللي انت بتقوله دا؟
* يعني ياباشا انت بتضيع وقتك في (شوية هلس).. وعمومًا (كبر دماغك) انت كدا كدا مافيش بعد كدا .. لأنها أكيد هي اللي (حاتكرِفَك) لأنها مش فاضيالك .. ومش حاتسيب (الهلس) اللي هي فيه – بسخرية- علشان خاطر عيونك (الدبلانين)...

وفهمت من نظرات عينيه أنه قد يكون قد فهم مقصدي عن (مشيها البطال يعني)، فتركته منصرفًا في طريقي..
وبعد عدة أيام صادف أن تقابلت أنا وأصدقائي الَّذين شهدو الحكاية مع ”مياسة“ أثناء خروجنا من امتحانات آخر السنة فتجاذبنا الحديث وكانت تنتظر أباها لسبب ما ليس له علاقة ”بباهر“ بشكل أكيد، ولكننا جذبناها للحديث عن ”باهر“ عمدًا، وكان في نيتي أن أتسبب في انهاء هذه القصة بأي شكل حتى لا يطول استغلالها لهذا الساذج ”باهر“ لمزيد من الوقت أكثر من ذلك، أيًا كانت النهاية كوميدية أو درامية.
* مش ناويه تحكلنا بقى عالحكاية؟
مياسة حكاية ايه؟
* حكاية ايه؟ حكاية ”باهر“ طبعًا .. هو في غيره.
مياسة انت مالك بتتكلم كدا؟ هو قالك حاجة؟
* شوفي بقى ؟!.. عاوزك انت اللي تحكي .. انت عاوزه منه ايه؟ دا مش قدك..
مياسة ايه ياعم انت .. وأنا حاعوز منه ايه؟ أوعى يكون فاهمك اني باجري وراه ولا حاجة.. داهو اللي (لازقلي) في الرايحة والجاية.. وقال ايه عاوزني أرتبط بيه.. وبيحكيلي عن شقته اللي في مدينة نصر ...
* ايه؟ ايه؟ قولي تاني كدا؟
شاكر شقة في مدينة نصر؟!!
زكي (يضحك بسخريه) هو قالك كدا؟
مياسة ايه؟ انتوا بتضحو على ايه؟ هو ماعندوش شقة في مدينة نصر ولا ايه؟
* قصدك عالشقة اللي مكلفها ديكورات بميه وخمسين ألف جني؟
مياسة (بلهفة) أيوه!!
* لا طبعًا ماعندوش..
شاكر ولا عنده شغل ديكورات أساسًا.
زكي ياستي دا أصلاً مش لاقي ياكل.
مياسة (بإنهيار) .. ياسلام؟؟!!
* يابنتي مافيش أي حاجة من الكلام دا!!، داحنا كلنا عارفين إنه مريض نفسي وبنتعاملو معاه على كدا.. طب حتى هاتيه وواجهيه قدامنا كدا وانت تشوفي..
مياسة طب حاقولو ايه؟ دا كمان بابا مستانيني في العربيه عشان أرَوَّح معاه...
* طب خالاص تاهت ولاقيناها قوليلو ان باباكي هنا وتعالى عشان تكلمو.. أهو هناك أهو ...- مناديًا عليه- يا”باهر“.. يا”باهر“..

وكان ”باهر“ يقف مع بعض الزملاء على مقربة منا، فالتفت إلينا متعجبًا، وأشار إلي بالإنتظار، فالتفتت إليه ”مياسة“ وأشارت له بالحضور.. فتهللت أساريرهُ وأتى مهرولاً..
باهر (بلهفة) أيوه في أيه؟
مياسة ازيك؟ ... عامل ايه؟
باهر بخير الحمد لله ... خير في حاجة؟
مياسة أيوه ... (تتحدث بصعوبة محاولة التماسك حتى لا تضحك) .. أ أ .. كنت عاوزه أقولك إن بابا هنا معايه مش عاوز تكلمه في الموضوع اللي كنت بتكلمني فيه؟

وفجأة جحظت عينا ”باهر“ غير مستوعبًا أو مصدقًا لما يحدث أو يقال له، وتمالكنا أنفسنا لعدم الأنهيار ضحكًا من شدة هول الموقف وصعوبته على هذا الفتى الساذج الَّذي لا يجيد حسن التصرف، وأخذ يتمتم ويتلعثم ليستجمع قواه..
باهر أ أ أي ه؟ بتقولي ايه؟
مياسة إيه إنت فيك إيه؟ إنت مش سامع ولا إيه؟
باهر (متلعثمًا) لا لا أبدًا..
مياسة طيب عمومًا كنت بقلك ان بابا هنا وكان عاوز يشوفك عشان انا كنت حاكيتلو عنك وعن طلبك ليا فعاوزاك تكلمو!! .. ايه مش عاوز؟!..
باهر (وهو يتصبب عرقًا) لا لا أبدًا.. أنا أنا .. أنا ماكنتش جاهز بس ... يعني .. يعني .. أصل أنا مش .. أصلي يدوبك أمشي الحق القطر.. ف ف فمش .. حاينفع دي الوقت.. أصلي يدوبك امشي.. خليها مرة تانيه.
مياسة (بعصبية) ايه يعني بتتهرب .. يعني مش عاوز تكلمه .. عمومًا خلاص ...

وانصرفت ”مياسة“ وهي تستدير بعصبية مفتعلة محاولة أن تتمالك نفسها حتى لا تضحك...
شاكر ايه ياعم ”باهر“ في ايه؟ مالك؟
باهر (وهويتمالك أعصابه) لا لا مافيش..
زكي (يضحك بصوت عال) مافيش؟ ... أُمال مالك كدا غرقان في عرقك؟
* ايه يا عم ”باهر“ هو انت ناوي تخلع ولا ايه.. انت غيرت رأيك ومش عاوز تتقدملها؟
باهر ايه؟! ... أ أ أه .. أيوه.. (بصوت منخفض مرتعدا بخوف وعيون جاحظة) أصلي لما فكرت في الكلام اللي انت قلتهولي عنها وعن ماشيها البطال.. أكيد أقتنعت انها ماتنفعنيش..
* (محولاً التخفيف عنه).. أيوه .. أيوه.. جدع ياد.. كدا انت صح ... يالا اخلع بسرعة عشان تلحق القطر... يالا سلام.

وتركناه وانصرفنا كل لحاله، وبعد عدة أسابيع تقابلنا – أنا و ”باهر“- وكان لقائنا جافًا، وكان يتجنب الحديث معي، وفهمت من الأصدقاء حولنا بأنه علم عن طريق ما أنني كنت السبب في تلك الحادثة ولاموني على ذلك، فأخبرتهم أن ذلك الأمر كان في مصلحته، ولم أكترث بذلك، ودارت الأيام ونسينا القصة وماحدث، وأخذتنا دوامة الحياة مع أحداث أخرى ...