الثلاثاء، نوفمبر ٢٩، ٢٠٠٥

مياسة


كانت ”مياسة“ فتاه معتدلة القوام، معتدلة الملامح، خمرية اللون أقرب إلى البياض، ذات شعر بني داكن مقارب للسواد ككافة أو معظم المصريات؛ وقد تعرفت على ”مياسة“ في السنة الأولى من الجامعة، التقيتها في محطة القطار وتعرفت عليها عن طريق أصدقاء الجامعة حيث كنا نجتمع معًا ونتواعد لركوب القطار حيث كنا نسافر يوميًا أو إسبوعيًا بعد إنتهاء محاضراتنا في الجامعة.
لم تزد معرفتي ”بمياسة“ بأكثر من إلقاء السلام والتحيات والأبتسام والإيمائات أحيانًا أخرى عند اختلاف أوقات المقابلات، فلم تكن إهتماماتي قد تجتمع مع إهتماماتها في يوم من الأيام.
كان من الواضح أن ”مياسة“ تمر بإضطرابات عائلية أو نفسية لسبب ما، وكان ذلك واضحًا من إهتماماتها المنحرفة، فكانت لها مجموعة من الصديقات هواة المقاهي والشيشة والبانجو والخمور وقد تتعدى أو تعدت تلك الإهتمامات إلى الجنس.
وكانت لتلك المجموعة صديق مقرب جدًا يدعى ”علاء“ قد يشاركهم كل تلك الإهتمامات على ما أعتقد عدا تلك الأخيرة ”الجنس“، فعلى ما أعتقد كانت خارج إهتماماته أو مقدرته بمعنى أدق.
وكان ”علاء“ يقوم بواجب مهم جدًا وهو السبب الأساسي لأصطحابهم له فكان ”علاء“ هو صاحب (تظبيط) السهرات، فلقد كانت المجموعة تخشى أن تشتهر داخل الجامعة بتلك الإنحرافات وكان ”علاء“ من يقوم بإحضار بعض الشباب من خارج أسوار الجامعة من أصحاب نفس الإهتمامات ويملكون المال اللازم والسيارات اللازمه لتلك ”الخروجات“.
وكان لنا زميل ساذج يدعى ”باهر“ يشتهر (بالفشر) ولا تجمعه ”بمياسة“ أي من تلك الإهتمامات ولكنه كان كلما أعجبته فتاه من الجامعة قام بالتقرب منها والحديث معها عن أمجاده وبطولاته في سوق العمل، وأنه يعمل بالفن والديكور منذ كان في الثانيةِ عشرَ من عمرهِ، مما أكسبه كثيرٌ من المال الَّذي اشترى به شقة للسكن في مدينة نصر وجهزه بأحدث صيحات الديكور والمفروشات، كل هذه الأحاديث كان يحكيها لكل فتاه يحاول أن يتقرب منها بالرغم مظهره الَّذي لا يدل على أي من تلك الثروة الَّتي كونها من العمل في الفن، وبالكاد كان يمتلك مصروف يومه الَّذي يأخذه من والده الَّذي كان تاجرًا قليل المال.
وفي يوم من الأيام، وأمام أبواب الجامعة كنا نقف بعد إنتهاء اليوم الدراسي، وكانت ”مياسة“ تركب في المقعد الخلفي لسيارة حمراء وكان مالكها شاب من خارج الجامعة لا يعرفه منا أحد ويقف خارج السيارة وبجواره ”علاء“ يتاحدثون ويبدو أنهم ينتظرون حضور باقي (الشلة) لخروجهم لسهرة ما.
وفجأة إقترب ”باهر“ من السيارة ونقر فوق زجاج السيارة برقة شديدة مشيرًا ”لمياسة“ برقة وسذاجة عاليه لتفتح له زجاج السيارة ليحدثها، فابتسمت له إبتسامة تجمع ما بين الخوف والإهتمام..
باهر ازيك؟
مياسة الحمد لله.
باهر انتي عامله ايه؟
مياسة كويسه.
باهر انتي رايحة معاهم فين أنا كنت عاوز أكلمك.
مياسة حاأروَّح في سِكتهم ... أهي توصيله ببلاش.
باهر (يسذاجة والبسمة تعلو شفتيه) طب خلاص يبقى مرة تانيه.

فابتسمت له وهمت بإغلاق النافذة
مياسة أوكي سلام.

ورجع إلى الخلف بظهره متجهًا إلينا وهو لايرفع عينيه الهائمتين المتيمتين عنها وهي تغلق نافذة السيارة.
كل هذا وأنا ومن حولي ننظر بأهتمام، ولاحظت مياسة ذلك وهي تنظر إلينا وتدرك مدى فهمنا لها وإلى أين قد تذهب الآن.
وبعد إنصرافها إقتربت من ”باهر“ وتحركنا للإنصراف، وفي أثناء سيرنا تجاذبنا الحديث:
* أيوه ياسيدي ايه الأخبار؟
باهر الحمد لله.
* الحمد لله .. خير بقى؟
باهر ايه في ايه؟
* انت اللي في ايه؟ في دماغك ايه؟
باهر في دماغي ايه ازاي يعني؟
* يعني ياحدق من ناحية ”مياسة“ انت عاوز ايه؟
باهر (مبتسمًا بسذاجة) لا عادي زي غيرها ..
* ياسيدي .. ايه ياعم؟! يامحطم قلوب العذارى أنت.. ومالاقيتش غير دي؟
باهر اشمعنى يعني؟
* يعني دي مش لونك يا (مان) .. مش (مايتك) يعني .. يعني مش دي اللي تمشي معاك .. ”مياسة“ مش (كِمْيتك) يا معلم.
باهر يعني ايه اللي انت بتقوله دا؟
* يعني ياباشا انت بتضيع وقتك في (شوية هلس).. وعمومًا (كبر دماغك) انت كدا كدا مافيش بعد كدا .. لأنها أكيد هي اللي (حاتكرِفَك) لأنها مش فاضيالك .. ومش حاتسيب (الهلس) اللي هي فيه – بسخرية- علشان خاطر عيونك (الدبلانين)...

وفهمت من نظرات عينيه أنه قد يكون قد فهم مقصدي عن (مشيها البطال يعني)، فتركته منصرفًا في طريقي..
وبعد عدة أيام صادف أن تقابلت أنا وأصدقائي الَّذين شهدو الحكاية مع ”مياسة“ أثناء خروجنا من امتحانات آخر السنة فتجاذبنا الحديث وكانت تنتظر أباها لسبب ما ليس له علاقة ”بباهر“ بشكل أكيد، ولكننا جذبناها للحديث عن ”باهر“ عمدًا، وكان في نيتي أن أتسبب في انهاء هذه القصة بأي شكل حتى لا يطول استغلالها لهذا الساذج ”باهر“ لمزيد من الوقت أكثر من ذلك، أيًا كانت النهاية كوميدية أو درامية.
* مش ناويه تحكلنا بقى عالحكاية؟
مياسة حكاية ايه؟
* حكاية ايه؟ حكاية ”باهر“ طبعًا .. هو في غيره.
مياسة انت مالك بتتكلم كدا؟ هو قالك حاجة؟
* شوفي بقى ؟!.. عاوزك انت اللي تحكي .. انت عاوزه منه ايه؟ دا مش قدك..
مياسة ايه ياعم انت .. وأنا حاعوز منه ايه؟ أوعى يكون فاهمك اني باجري وراه ولا حاجة.. داهو اللي (لازقلي) في الرايحة والجاية.. وقال ايه عاوزني أرتبط بيه.. وبيحكيلي عن شقته اللي في مدينة نصر ...
* ايه؟ ايه؟ قولي تاني كدا؟
شاكر شقة في مدينة نصر؟!!
زكي (يضحك بسخريه) هو قالك كدا؟
مياسة ايه؟ انتوا بتضحو على ايه؟ هو ماعندوش شقة في مدينة نصر ولا ايه؟
* قصدك عالشقة اللي مكلفها ديكورات بميه وخمسين ألف جني؟
مياسة (بلهفة) أيوه!!
* لا طبعًا ماعندوش..
شاكر ولا عنده شغل ديكورات أساسًا.
زكي ياستي دا أصلاً مش لاقي ياكل.
مياسة (بإنهيار) .. ياسلام؟؟!!
* يابنتي مافيش أي حاجة من الكلام دا!!، داحنا كلنا عارفين إنه مريض نفسي وبنتعاملو معاه على كدا.. طب حتى هاتيه وواجهيه قدامنا كدا وانت تشوفي..
مياسة طب حاقولو ايه؟ دا كمان بابا مستانيني في العربيه عشان أرَوَّح معاه...
* طب خالاص تاهت ولاقيناها قوليلو ان باباكي هنا وتعالى عشان تكلمو.. أهو هناك أهو ...- مناديًا عليه- يا”باهر“.. يا”باهر“..

وكان ”باهر“ يقف مع بعض الزملاء على مقربة منا، فالتفت إلينا متعجبًا، وأشار إلي بالإنتظار، فالتفتت إليه ”مياسة“ وأشارت له بالحضور.. فتهللت أساريرهُ وأتى مهرولاً..
باهر (بلهفة) أيوه في أيه؟
مياسة ازيك؟ ... عامل ايه؟
باهر بخير الحمد لله ... خير في حاجة؟
مياسة أيوه ... (تتحدث بصعوبة محاولة التماسك حتى لا تضحك) .. أ أ .. كنت عاوزه أقولك إن بابا هنا معايه مش عاوز تكلمه في الموضوع اللي كنت بتكلمني فيه؟

وفجأة جحظت عينا ”باهر“ غير مستوعبًا أو مصدقًا لما يحدث أو يقال له، وتمالكنا أنفسنا لعدم الأنهيار ضحكًا من شدة هول الموقف وصعوبته على هذا الفتى الساذج الَّذي لا يجيد حسن التصرف، وأخذ يتمتم ويتلعثم ليستجمع قواه..
باهر أ أ أي ه؟ بتقولي ايه؟
مياسة إيه إنت فيك إيه؟ إنت مش سامع ولا إيه؟
باهر (متلعثمًا) لا لا أبدًا..
مياسة طيب عمومًا كنت بقلك ان بابا هنا وكان عاوز يشوفك عشان انا كنت حاكيتلو عنك وعن طلبك ليا فعاوزاك تكلمو!! .. ايه مش عاوز؟!..
باهر (وهو يتصبب عرقًا) لا لا أبدًا.. أنا أنا .. أنا ماكنتش جاهز بس ... يعني .. يعني .. أصل أنا مش .. أصلي يدوبك أمشي الحق القطر.. ف ف فمش .. حاينفع دي الوقت.. أصلي يدوبك امشي.. خليها مرة تانيه.
مياسة (بعصبية) ايه يعني بتتهرب .. يعني مش عاوز تكلمه .. عمومًا خلاص ...

وانصرفت ”مياسة“ وهي تستدير بعصبية مفتعلة محاولة أن تتمالك نفسها حتى لا تضحك...
شاكر ايه ياعم ”باهر“ في ايه؟ مالك؟
باهر (وهويتمالك أعصابه) لا لا مافيش..
زكي (يضحك بصوت عال) مافيش؟ ... أُمال مالك كدا غرقان في عرقك؟
* ايه يا عم ”باهر“ هو انت ناوي تخلع ولا ايه.. انت غيرت رأيك ومش عاوز تتقدملها؟
باهر ايه؟! ... أ أ أه .. أيوه.. (بصوت منخفض مرتعدا بخوف وعيون جاحظة) أصلي لما فكرت في الكلام اللي انت قلتهولي عنها وعن ماشيها البطال.. أكيد أقتنعت انها ماتنفعنيش..
* (محولاً التخفيف عنه).. أيوه .. أيوه.. جدع ياد.. كدا انت صح ... يالا اخلع بسرعة عشان تلحق القطر... يالا سلام.

وتركناه وانصرفنا كل لحاله، وبعد عدة أسابيع تقابلنا – أنا و ”باهر“- وكان لقائنا جافًا، وكان يتجنب الحديث معي، وفهمت من الأصدقاء حولنا بأنه علم عن طريق ما أنني كنت السبب في تلك الحادثة ولاموني على ذلك، فأخبرتهم أن ذلك الأمر كان في مصلحته، ولم أكترث بذلك، ودارت الأيام ونسينا القصة وماحدث، وأخذتنا دوامة الحياة مع أحداث أخرى ...

ليست هناك تعليقات: